ابن كثير

89

البداية والنهاية

ثم دخلت سنة خمس وأربعين ومائة فمما كان فيها من الاحداث مخرج محمد بن عبد الله بن حسن بالمدينة وأخيه إبراهيم بالبصرة ، على ما سنبينه إن شاء الله . أما محمد فإنه خرج على أثر ذهاب أبي جعفر المنصور بأهله بني حسن من المدينة إلى العراق على الصفة والنعت الذي تقدم ذكره ، وسجنهم في مكان ساء مستقرا ومقاما ، لا يسمعون فيه أذانا ولا يعرفون فيه دخول أوقات صلوات إلا بالأذكار والتلاوة . وقد مات أكثر أكابرهم هنالك رحمهم الله . هذا كله ومحمد الذي يطلبه مختف بالمدينة ، حتى أنه في بعض الأحيان اختفى في بئر نزل في مائه كله إلا رأسه ، وباقيه مغمور بالماء ، وقد تواعد هو وأخوه وقتا معينا يظهران فيه ، هو بالمدينة وإبراهيم بالبصرة ، ولم يزل الناس - أهل المدينة وغيرهم - يؤنبون محمد بن عبد الله في اختفائه وعدم ظهوره حتى عزم على الخروج ، وذلك لما أضر به شدة الاختفاء وكثرة إلحاح رياح نائب المدينة في طلبه ليلا ونهارا ، فلما اشتد به الامر وضاق الحال واعد أصحابه على الظهور في الليلة الفلانية ، فلما كانت تلك الليلة جاء بعض الوشاة ( 1 ) إلى متولي المدينة فأعلمه بذلك ، فضاق ذرعا وانزعج لذلك انزعاجا شديدا ، وركب في جحافله فطاف بالمدينة وحول دار مروان ، وهم مجتمعون بها ، فلم يشعر بهم . فلما رجع إلى منزله بعث إلى بني حسين بن علي فجمعهم ومعهم رؤوس من سادات قريش وغيرهم ، فوعظهم وأنبهم وقال : يا معشر أهل المدينة ، أمير المؤمنين يتطلب هذا الرجل في المشارق والمغارب وهو بين أظهركم ، ثم ما كفاكم حتى بايعتموه على السمع والطاعة ؟ والله لا يبلغني عن أحد منكم خرج معه إلا ضربت عنقه . فأنكر الذين هم هنالك حاضرون أن يكون عندهم علم أو شعور بشئ من هذا ، وقالوا : نحن نأتيك برجال مسلحين يقاتلون دونك إن وقع شئ من ذلك . فنهضوا فجاؤوه بجماعة مسلحين فاستأذنوه في دخولهم عليه ، فقال : لا إذن لهم إني أخشى أن يكون ذلك خديعة . فجلس أولئك على الباب ومكث الناس جلوسا حول الأمير وهو واجم لا يتكلم إلا قليلا حتى ذهبت طائفة من الليل ، ثم ما فجئ الناس إلا وأصحاب محمد بن عبد الله قد ظهروا وأعلنوا بالتكبير ، فانزعج الناس في جوف الليل ، وأشار بعض الناس على الأمير أن يضرب أعناق بني حسين ، فقال أحدهم : علام ونحن مقرون بالطاعة ؟ واشتغل الأمير عنهم بما فجأه من الامر ، فاغتنموا الغفلة ونهضوا سراعا فتسوروا جدار الدار وألقوا أنفسهم على كناسة هنالك . وأقبل محمد بن عبد الله بن حسن في مائتين ( 2 ) وخمسين ، فمر بالسجن فأخرج من فيه ، وجاء دار الامارة فحاصرها فافتتحها ومسك الأمير رياح بن عثمان نائب المدينة فسجنه في دار مروان ، وسجن معه ابن مسلم بن عقبة ، وهو الذي أشار بقتل بني حسين في أول هذه الليلة فنجوا وأحيط به ، وأصبح محمد بن عبد الله بن حسن وقد استظهر على المدينة ودان له أهلها ، فصلى بالناس الصبح وقرأ

--> ( 1 ) وهو سليمان بن عبد الله بن أبي سبرة ( الطبري - ابن الأثير ) . ( 2 ) في ابن الأثير 5 / 530 : مائة .